عبد الوهاب الشعراني

164

القواعد الكشفية الموضحة لمعانى الصفات الإلهية

يتوقّف علمه بها على تفصيلها بالعدد كما يحتاج إليه خلقه ، فقصدوا التّنزيه للحقّ - تعالى - لفظا ، فأخطؤوا في التّعبير بما يوهم خلاف المراد ، ولو أنّ من نصب الخلاف بيننا وبين الفلاسفة فهم ما ذكرناه ما كفّرهم بذلك ، وإن كانوا كفّارا من وجوه أخر « 1 » . وقال في باب الأسرار : اعلم أنّه ليس في علم الحقّ « 2 » - تعالى - إجمال ؛ إذ الإجمال في المعاني محال ، وإنّما الإجمال في الأقوال والأفعال « 3 » . وقال في الباب الحادي عشر وأربعمائة من " الفتوحات " « 4 » : من المحال أن يتعلّق العلم الإلهيّ إلّا بما هو المعلوم عليه في نفسه ، فلو أنّ أحدا احتجّ على ربّه ، وقال : قد سبق علمك فيّ بأن أكون « 5 » على كذا وكذا ، فلم تؤاخذني ؟ لقال له الحقّ - جلّ وعلا - « 6 » : وهل تعلّق علمي بك إلّا على ما أنت عليه ، فلو كنت على غير ذلك لعلمتك ، فارجع إلى نفسك ، وأنصف في كلامك ، فإذا رجع العبد إلى نفسه ، وفهم ما ذكرناه ، علم أنّه محجوج ، وأنّ الحجّة البالغة عليه للّه تعالى ، بل يصير هو يقيم الحجّة للّه - تعالى - عليه أدبا حقيقيّا « 7 » ، وهناك يلوح له أنّ قول الحقّ - جلّ وعلا - : وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ « 8 » حقّ وصدق ، كشفا ويقينا ، ومعنى هذه الآية أنّ الحقّ - تعالى - يقول : وَما ظَلَمْناهُمْ ؛ لأنّ علمنا ما تعلّق بهم في الأزل إلّا على صورة ما ظهروا به في الوجود من

--> ( 1 ) العبارة في الفتوحات : " فإن الذين قالوا : إن اللّه لا يعلم الجزئيات ما أرادوا نفي العلم عنه بها ، وإنما قصدوا بذلك أنه - تعالى - لا يتجدد له علم بشيء ، بل علمها مندرجة في علمه بالكليات ، فأثبتوا له العلم سبحانه مع كونهم غير مؤمنين ، وقصدوا تنزيهه سبحانه في ذلك ، وإن أخطؤوا في التعبير عن ذلك " . انظر : الفتوحات المكية ، 1 / 422 . ( 2 ) " ب " : " في علم اللّه الحق " . ( 3 ) انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 8 / 152 ، وتمام عبارته : " فليس من نعوت الكمال أن يكون في علم اللّه إجمال ، والإجمال في المعاني محال ، ومحل الإجمال الألفاظ والأقوال " . ( 4 ) عنوان هذا الباب في الفتوحات : " في معرفة منازلة " فيسبق عليه الكتاب ، فيدخل النار من حضرة " كاد لا يدخل النار " . انظر : محيي الدين ، الفتوحات المكية ، 7 / 22 . ( 5 ) " ب " : " هناك أن أكون " . ( 6 ) " ك " ، " ز " : " عز وجل " . ( 7 ) " ك " ، " ز " : " حقيقة " . ( 8 ) ( النحل ، الآية 118 ) .